الشيخ محمد رشيد رضا

613

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذلك الأصل الذي هو مصدر كل الخير ، فعتت عن أمر ربها ورسله ، فمنها من كفر بهم وحدهم ومنها من كفر بهم وبه ، وادعوا أنهم قد استغنوا بعقولهم عن تلك الهداية ، بل وصموها بما وسموها به من سمات الغولية ، حتى إذا ما برح الخفاء ، وفضح الرياء ، وانكشف الغطاء ، ظهر أن تلك المدنية ، هي أفظع الوحشية والهمجية ، فأيهم أوسع فيها علوما وفنونا ، وأدق نظاما وقانونا ، هم أشد فتكا بالانسان ، وتخريبا للعمران ، وان غاية هذا الترقي استعباد الأقوياء للضعفاء بتسخيرهم لخدمتهم ، واستخراج خيرات الأرض لهم ، استمتاعا بالشهوات الحيوانية السفلى ، واسرافا في زينة هذه الحياة الدنيا وقد بين شيخنا الأستاذ الامام في ( رسالة التوحيد ) وجه حاجة البشر إلى الرسل من طريقين أو مسلكين ( المسلك الأول ) مبني على عقيدة بقاء النفس واستعداد البشر لحياة أبدية في عالم غيبي ، وحاجتهم إلى ارشاد الهي يعلمون به ما يجب عليهم من العلم والعمل للسعادة في تلك الحياة ، وكون إيتاء اللّه تعالى إياهم ذلك من آثار احسانه كل شئ خلقه ، وانقانه كل شئ صنعه ، إذ اختص بعض أفراد هذا النوع بفطرة عالية ، وأعد أرواحهم للاشراف على عالم الغيب وتلقي علم الهداية عن رب العالمين بواسطة الروح الأمين من الملائكة ، أو بغير واسطة . وبذلك كانوا نهاية الشاهد ، وبداية الغائب ، في هذا النوع الذي جعل اللّه من التفاوت بين أفراده في العلم والعمل ما لا يعهد مثله ولا ما يقاربه في نوع آخر من أنواع الاحياء ، حتى أن الواحد منهم لينهض بأمة أو أمم فيرفع شأنها ، وألوف الألوف يكونون كالانعام يسخرهم لخدمته رجل واحد أو آحاد منهم أو من غيرهم . و ( المسلك الثاني ) مبني على ما علم من فطرة الانسان من كونه خلق ليعيشن مجتمعا متعاونا يقوم أفراد متفرقون وجماعات متعاونون بكل نوع من أنواع الاعمال التي يحتاج إليها في حفظ حياتيه الشخصية والنوعية ، ويظهر به استعداده لتسخير جميع ما في عالمه لمنافعه ، وكونه يعمل أعماله بحسب علمه وشعوره وتخيله ، وكون أفراده يختلفون في ذلك اختلافا يقتضى التنازع والشقاق ، الذي يفضى إلى التخاذل والتقاتل إذا لم يتداركه اللّه بهداية تزيل الخلاف ، وتوحد الآراء والأهواء ، وهذه الهداية هي هداية الوحي الذي بعث اللّه به الرسل ، وانما نزيل الخلاف لان اللّه أودع في فطرة الانسان فوق كل ما ذكر غريزة هي أقوى غرائزه وأعلاها ، وهي غريزة السعور بوجود قوة غيبية